صديق الحسيني القنوجي البخاري
68
فتح البيان في مقاصد القرآن
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 88 إلى 90 ] الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ( 88 ) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ( 89 ) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 90 ) الَّذِينَ كَفَرُوا في أنفسهم وَصَدُّوا غيرهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن طريق الحق وهي طريق الإسلام والإيمان بأن منعوهم من سلوكها وحملوهم على الكفر ، وقيل المراد به الصد عن المسجد الحرام والعموم أولى . زِدْناهُمْ عَذاباً لأجل الاضلال لغيرهم فَوْقَ الْعَذابِ الذي استحقوه لأجل ضلالهم ، وقيل المعنى زدنا القادة عذابا فوق عذاب أتباعهم أي أشد منه وقيل إن هذه الزيادة هي إخراجهم من حر النار إلى برد الزمهرير وغير ذلك . وعن ابن مسعود قال : زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال ينهشونهم في جهنم ، وروي مثله عن البراء مرفوعا أخرجه الخطيب وغيره . وقال سعيد بن جبير : حيات كالبخت وعقارب أمثال البغال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها ألمها أربعين خريفا ، وعن ابن عباس قال : خمسة أنهار من نار صبها اللّه عليهم يعذبون بعضها بالليل وبعضها بالنهار . وقد روى ابن مردويه عن جابر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الزيادة خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار ، فذلك قوله : زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ بصدهم الناس عن سبيل اللّه مع ما يستحقونه من العذاب على الكفر . وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أي نبيا يشهد عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي جنسهم إتماما للحجة وقطعا للمعذرة ، وهو أعدل شاهد عليها ، وهذا تكرير لما سبق لقصد التأكيد والتهديد . وقال الخطيب : كرر سبحانه التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما أفهمته الآية السابقة وهو أن الشهادة تقع على الأمم لا لهم وتكون بحضرتهم وَجِئْنا بِكَ يا محمد ؛ وإثار لفظ المجيء على البعث لكمال العناية بشأنه عليه الصلاة والسلام ، وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع . شَهِيداً تشهد عَلى هؤُلاءِ أي على هذه الأمم ، وقيل على أمتك وقومك ، هكذا قال الجلال ، وسنده قوله سابقا : وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً الخ ومثله في البيضاوي ،